محمد حسين هيكل

282

حياة محمد ( ص )

محمد يقضي أكثر وقته في خزانة له ذات مشربة ، يجلس غلامه رباح على أسكفّتها « 1 » ما أقام هو بالخزانة ، ويرقّى هو إليها على جذع من نخل هو الخشونة كل الخشونة . عمر يسترضي النبي وإنه لفي خزانته يوم أوفى الشهر الذي نذر فيه هجر نسائه على التمام ، وقد أقام المسلمون بالمسجد مطرقين ينكتون الحصى ويقولون : طلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم نساءه ، ويأسون لذلك أسى يبدو على وجوههم واضحا عميقا ، إذ قام عمر من بينهم فقصد إلى مقام النبيّ بخزانته ، ونادى غلامه رباحا كي يستأذن له على رسول اللّه . ونظر إلى رباح يروم الجواب ، فإذا رباح لا يقول شيئا علامة أن النبيّ لم يأذن . فكرر عمر النداء ؛ ولم يجب رباح مرة أخرى . فرفع عمر صوته قائلا : « يا رباح استأذن لي عندك على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فإني أظنه ظن أني جئت من أجل حفصة . واللّه لئن أمرني بضرب عنقها لأضربن عنقها » . وأذن النبيّ ، فدخل عمر فجلس ثم أجال بصره فيما حوله وبكى . قال محمد : ما يبكيك يا بن الخطاب ؟ وكان الذي أبكاه هذا الحصير الذي رأى النبيّ مضطجعا عليه وقد أثّر في جنبه ، والخزانة لا شيء فيها إلا قبضة من شعير ومثلها من قرظ وأفيق « 2 » معلّق . فلما ذكر عمر ما يبكيه علّمه محمد من وجوب الإعراض عن الدنيا ما ردّ إليه طمأنينته ، ثم قال عمر : يا رسول اللّه ، ما يشقّ عليك من أمر النساء ؟ إن كنت طلّقتهن فإن اللّه معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك . ثم انعكف يحدث النبيّ حتى تحسّر الغضب عن وجهه وحتى ضحك فلما رأى عمر ذلك منه ذكر له أمر المسلمين بالمسجد وما يذكرون من طلاقه نساءه ، فلما ذكر النبي أنه لم يطلقهن استأذنه في أن يفضي بالأمر إلى أولئك المقيمين بالمسجد ينتظرون . ونزل إلى المسجد ، فنادى بأعلى صوته : لم يطلّق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم نساءه . وفي هذه القصة نزلت الآيات الكريمة : ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ . إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ . عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً ) « 3 » . وبذلك انتهى الحادث ، وثاب إلى نساء النبي رشادهن ، ورجع هو إليهن تائبات عابدات مؤمنات ، وعادت إلى حياته البيتيّة السكينة التي يحتاج إليها كل إنسان لأداء ما فرض عليه أداؤه . حكم النقد التاريخي النزيه ما قصصت الآن ، عن هجر محمد نساءه وتخييره إياهن ومقدّمات هذا الهجر ونتائجه والوقائع التي سبقته وأدت إليه ، هو في رأيي الرواية الصحيحة لتاريخ هذا الحادث . وهي رواية يتضافر على تأييدها ما جاء في كتب التفسير وفي كتب الحديث ، وما جاء متفرقا عن أخبار محمد ونسائه في كتب السيرة المختلفة . بيد أنه لم تكن واحدة من هذه السير تقص الحوادث أو تضع المقدمات والنتائج بالصورة التي سردناها ههنا . وأكثر السير تمرّ بهذا الحادث مرّا دون أن تقف عنده ، وكأنما تجده خشن الملمس فتخشى أن تقربه . وبعضها يقف عند رواية خبر العسل والمغافير ، ولا يشير بكلمة إلى مسألة حفصة ومارية . فأمّا المستشرقون فيجعلون مسألة حفصة

--> ( 1 ) أسكفتها : عتبتها . ( 2 ) أفيق : جلد . ( 3 ) سورة التحريم الآيات من 1 إلى 5 .